Ypsilon éditeur Littérature
Ypsilon éditeur La bibliothèque typographique
Ypsilon éditeur Ymagier

محمد بنيس يعرّب أصعب قصيدة في الشعر الفرنسي - Al-Hayat, 8 mars 2008


رمية نرد» لستيفان ملارمي ما برحت تشغل النقاد في العالم كنوع جديد ...
محمد بنيس يعرّب أصعب قصيدة في الشعر الفرنسي



ستيفان ملارمي
قبل عام من رحيله في 1898 أنجز الشاعر الفرنسي ستيفان ملارمي (أو مالارمه) قصيدة فريدة سمّاها «رمية نرد». وعندما أنهى صيغتها الأولى قرأها على مسمع الشاعر بول فاليري وكان في السادسة والعشرين من عمره، وكأنه كان على قلق إزاءها نظراً الى غرابتها وفرادتها في مساره الخاص وفي تاريخ الشعر الفرنسي والعالمي. حينذاك لم يتوان فاليري عن وصفها بـ «النص الخارق» و «العجيب»، ومما قال فيها: «بدا لي أنني أرى صورة فكرة موضوعة للمرة الأولى في فضائنا». إلا أن ملارمي لم يتسن له أن يرى الطبعة النهائية للقصيدة التي صدرت في 1914 عن دار «المجلة الفرنسية الجديدة» وكان عمل بجهد عليها صوغاً و «إخراجاً» طباعياً وبصرياً حتى أصبحت كما قال عنها «سماء منجّمة». أما الصيغة الأولى وغير النهائية فقد نشرتها مجلة «كوزموبوليس» في أيار (مايو) 1897 في إشراف ملارمي نفسه.
ما برحت هذه القصيدة تشغل النقد والقراء في فرنسا والعالم حتى الآن، وكلما مرّ عليها الزمن ازدادت ألقاً وإلغازاً. وترجمت الى لغات عدة على رغم طابعها «الهرمسيّ» أو «المغلق» وكثافتها اللغوية وغموضها... وبعد كل تلك الأعوام قرر الشاعر المغربي محمد بنيس التصدي لها وتمكن من تعريبها باذلاً الكثير من الجهد والاعتناء وحاذياً حذو ملارمي في مراسه ودأبه نحتاً وتركيباً (دار توبقال، الدار البيضاء 2008). ولولا شغفه الكبير بها لما استطاع أن ينجز النص العربي (لا أقول الترجمة) الذي حافظ على خصال القصيدة ومعالمها ولم يعمد الى تفسيرها أو إيضاحها. وأرفق النص العربي بدراسة عميقة وشاملة عاد فيها الى عيون المراجع التي تناولت القصيدة واستعان بالترجمات العالمية ومنها اليابانية ترسيخاً لفضائها البصري واللغوي. وكان بنيس أدمن قراءة القصيدة منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي بعدما استحوذت عليه، كما يشير، وكلما كان يقرأها يصيبه «دوار الجمال ودوار المطلق». وإن اعتبر ترجمتها تهدف الى «المتعة والتعلّم»، فهو كان يعلم أن ترجمتها «لم تكن ممكنة قبل الحفر في الشعاب المحيطة بها، المعرفية والتقنية على السواء». ويعترف أن قراءتها (مجرد قراءتها) تطلّبت منه أعواماً «متوحداً، صامتاً...». وفي رأيه ان قراءة القصيدة تفترض «تهيؤاً نسكياً لا يتبرم ولا يتأفف» مثلما تحتمل قراءات متعددة.
لجأ محمد بنيس الى شعراء أصدقاء يلمّون بجو ملارمي من أمثال عبدالوهاب المؤدب وعبدالمجيد بنجلون ومصطفى النيسابوري والشاعر الفرنسي برنار نويل وقرأ لهم النص العربي مع الفرنسي وتوقف عند آرائهم. وكان سؤاله الأول إزاء التعريب: «ما الذي يسمح لمرآة اللغة العربية ان تعكس الغريب في القصيدة»؟ فالقصيدة قائمة على البياض أو الصمت («الصمت المنغّم» كما يقول الناقد جان بيار ريشار) مثلما هي قائمة على التشكيل الصوري واللعب اللغوي والبناء العروضي «المبعثر»... وبدا هذا البناء هو المهدد بالتواري في النص العربي وقد اعتمد ملارمي فيه الوزن الاسكندري بمقاطعه الاثني عشر ولكن متخلياً نهائياً عن القافية بل «مبعثراً» الأوزان في فضاء الصفحة. وقد قال ملارمي في هذا الصدد: «لا أخرق هذا الوزن بل أبعثره». هكذا اعتمد بنيس النغمية المتوارية واللعب على أصوات الألفاظ والبناء السمفوني الكامن أصلاً في روح القصيدة والمستقى من «بعثرة» الإيقاع داخل الصمت أو البياض أو فضاء الصفحة. وبما انه اعتمد «النزول الى غمر اللغة» كما يعبّر، فهو راح يبحث عن ألفاظ وكلمات وتراكيب عربية قديمة اعتناء بما كان ملارمي شغوفاً به ومنها على سبيل المثل: الشيخ، القرار، الهامة، هرير، الشدائد، الجماح والبلى... والمفاجئ تعريبه كلمة «الصُدْفة» Le Hasard بـ «الزَّهَر» بناء على اقتراح من عبدالوهاب المؤدّب وذريعته ان «الزَّهر» التي عرفتها اللغة العربية في الأندلس أقرب الى الأصل الفرنسي. لكن كلمة «صدفة» تظل – برأيي – هي الأنسب وقد استخدمها ملارمي كثيراً في قصائده الأخرى.
لعل أكثر ما يميز النص المعرّب هو حفاظه على غموض القصيدة وطابعها الملغز وعلى أسرارها. ومَن يقرأ النص المعرّب يشعر بالصدمة نفسها التي تواجهه في النص الفرنسي، علاوة على متانة السبك والأمانة التامة على «الشكل» وهندسة الصفحات والفضاء الطباعي... إلا أن حماسة محمد بنيس لهذه القصيدة دفعته الى الكلام عن الجانب العربي – الإسلامي والشرقي عموماً الكامن في عمقها. وهذه فرضية لم يسبقه اليها أحد. وهذا الجانب أساس برأيه في هذه القصيدة, بل هو يرى أن اللغة العربية تحضر فيها أيضاً. ويقول ان ملارمي تأثر بجو «ألف ليلة وليلة» وببنائه، ويرد عالمها البحري والسماوي وعالم التنجيم الساري فيها الى حكاية «السندباد»... قد يكون هذا الافتراض ناجماً عن حماسة بنيس حيال القصيدة وشاعرها وقد فاته أن ملارمي لطالما عمل على فكرة «اللازورد» ووضع كتاباً عن «الأساطير القديمة». ولا يمكن أصلاً قراءة هذه القصيدة – أول قصيدة بياض أو صمت في الشعر الفرنسي والعالمي – على ضوء حكايات «ألف ليلة وليلة». هذه القصيدة الغريبة والحديثة جداً لا علاقة لها بالسرد الحكائي، بل هي تدخل في نطاق «العمل الصافي» كما وصفه ملارمي عام 1892 في «أزمة البيت». انها قصيدة «الأزمة» أو قصيدة «الورقة البيضاء» في ما تثير من «رعب» وشعور بـ «العجز القاحل» و «اليأس غير المثمر» بحسب ملارمي نفسه. أما البعد المسرحي للقصيدة الذي يتناوله بنيس فهو موحى به ويرتبط بالفضاء والصفحة والتيبوغرافيا (الطباعة) والحروف المختلفة الأحجام (بين السماكة والرقة) وهي بدت وكأنها أصوات في الحين عينه. هذا الجانب تحدث عنه الناقد الفرنسي سيرج ميتينجه مؤثراً عبارة «دراماتورجيا طباعية». ويرى أن القصيدة – الدراما مؤلفة من استهلال (برولوغ) وثلاثة فصول مترابطة وخاضعة في آن واحد لامتداد الجملة – القالب.
القصيدة – الأسطورة
ولئن احتلت القصيدة – الأسطورة أربعاً وعشرين صفحة يمكن اختصارها في اثنتي عشرة إذا ضمّت الصفحة الى أختها كما شاء ملارمي لتصبح الصفحة مزدوجة ومستقلة بذاتها، فإن القصيدة تبدو كأنها مصوغة كجملة واحدة من المطلع حتى المقطع الأخير. لكن هذه الجملة كما يرى بنيس (وسواه من النقاد) تتعرض للتوقف والتشذر بقدر ما تقوم على «الإيجاز» لتجنب الحكاية التي هي من خصائص قصيدة النثر. إنها جملة واحدة ولكن من تراكيب تفصل بينها حدود يعيّنها فعل الحذف. تقول الناقدة الفرنسية جوليا كريستينا: «إن النص باختصار، يحطم الطابع السطري للجملة المعيارية ويحاول أن يقوّضها نازعاً الى تعددية الأصوات التركيبية». هكذا تخرج هذه القصيدة – الجملة على البناء السائد للجملة وقد تحررت عبر إيقاعها السمفوني من قسرية القواعد النحوية ومن العدد المحدد مسبقاً لمقاطع (تفاعيل) البيت ومن مفهومه التقليدي. إنها «قصيدة التوقعات، التشذّر والحذف» كما يقول بنّيس. وإذا اعتبر ملارمي «البيت» الاسكندري «امتداداً متوسطاً للكلمات تحت فهم النظر»، فهو يرى انه «ملقى في شكل سهام بالتتابع أقل مما يكاد بالتزامن من أجل الفكرة». هكذا لا يبدو أن البيت يعيّنه العروضي وغير العروضي (الحرّ) بل إيقاع اللغة وموقع الكلمات في فضاء الصفحة البيضاء. والصفحة هي التي تنظم القصيدة وتمنحها وحدتها، يقول ملارمي أيضاً: «الصفحة ينظر اليها كوحدة كما هو البيت في مكان آخر أو كسطر تام»، انه البناء العروضي القائم على التشذّر والبعثرة. الشاعر برنار نويل – أحد تلامذة ملارمي الحديثين – يصيب جوهر هذه «اللعبة» قائلاً: «أصبحنا مذذاك ننصت بهدوء الى المرئي تبعاً لظاهرة ذات صلة بالإيقاع، الإيقاع الذي يرن في الزمان فيما هو ينمو في الفضاء». ويضيف: «الكلمات موجودة لتسمع بالعين قبل أن تُقرأ لمعناها». ويتحدث الناقد جان بيار ريشار في كتابه الضخم (والأضخم) وعنوانه «كون ملارمي» عن فرادة هذه القصيدة وندرتها حيث «يُطرح المعنى مرئياً» في «فضاء مطواع». وقد يختصر قول الناقد كميل سولا سرّ القصيدة: «تركيب نحوي صوري خاضع لقوانين الجمالية الموسيقية». هنا نفهم ما كان يردده ملارمي عن «فتح العينين» في لحظة القراءة، فالصفحة أصبحت مرئية.
فتحت قصيدة «رمية نرد» أفقاً جديداً تماماً لم يكن مألوفاً سابقاً في الشعر الفرنسي والعالمي. أفق يواجه قصيدة الشعر الحر وقصيدة النثر في آن واحد. وقد قدم ملارمي مقاربة مختلفة تماماً للقصيدة متخطياً تينك القصيدتين اللتين راجتا طويلاً وما زالتا. انها «بداية جديدة» كما يعبر ملارمي. لا تحل القصيدة في منزلة بين منزلتين فحسب، بل هي نوع فريد يلتقي فيه البناء العروضي والشكل النثري والتركيب اللغوي والبعثرة والصورة والموسيقى والرسم والفضاء الأبيض... «ولكن في الحقيقة لا يوجد نثر: هناك الحروف ثم الأبيات المضغوطة بهذا القدر أو ذاك»، يقول ملارمي الذي اختبر كل الأنواع ومنها قصيدة النثر. ولئن بدت القصيدة غاية في الغموض والصعوبة، فهي تركت أثراً كبيراً في الشعر الفرنسي والعالمي الروسي والألماني والإيطالي... وفي فرنسا بدت قصيدة أبولينير «المرسومة» بالحروف والكلمات وارثة لقصيدة «رمية نرد» سواء كانت إيقاعية أو بلا إيقاع. وكذلك تأثر بها بعض الدادائيين والسورياليين وشعراء معاصرون ينتمون الى تيارات مختلفة: برنار نويل، مارسولان بلينيه، دوين دوني روش وأندريه دوبوشه الذي كان رائد قصيدة البياض الحديثة. أما عربياً فيطرح محمد بنيس هذا السؤال أو الجواب: «نحن لا ندري كيف كان مسار القصيدة العربية سيكون لو أن هذه القصيدة ترجمت في الستينات الى العربية». هذا تساؤل يحل في محله. ولكن حتماً هناك شعراء محدثون قرأوا هذه القصيدة وإن لم يتأثروا بها: أدونيس، خليل حاوي الذي كتب عن ملارمي. وهناك في الأجيال اللاحقة شعراء قرأوا القصيدة وحاوروها وفي طليعتهم بول شاوول الذي كتب قصيدة بياض أو صمت تشبهه كل الشبه.
لكن السؤال الذي يطرح اليوم: هل سيتأثر الجيل الشعري الراهن بهذه القصيدة في صيغتها العربية البديعة أم انها ستعبر من دون أثر يُذكر؟

عبده وازن الحياة
Al-Hayat